الصفدي
244
الوافي بالوفيات
ليلة واحدة ولا اشتغلت في النهار بغيره وجمعت بين يدي ظهورا فكل حجة أنظر فيها أثبت مقدمات قياسية ورتبتها في تلك الظهور ثم نظرت عساها تنتج وراعيت شروط مقدماته حتى تحقق لي حقيقة الحق في تلك المسألة وكلما كنت أتحير في مسألة ولم أكن أظفر بالحد الأوسط في قياس ترددت إلى الجامع وصليت وابتهلت إلى مبدع الكل حتى فتح لي المنغلق منه وتيسر المتعسر وكنت أشتغل بالنهار والليل فمهما غلبني النوم أو شعرت بضعف عدلت إلى شرب قدح من الشراب ريثما تعود إلي قوتي ثم ارجع إلى القراءة ومهما أخذني أدنى نوم أحلم بتلك المسائل بأعيانها حتى إن كثيرا من المسائل اتضح لي وجوهها في المنام وكذلك حتى استحكم معي جميع العلوم ووقفت عليها بحسب الإمكان الإنساني ودل ما علمته ذلك الوقت فهو كما هو عليه لم أزدد فيه إلى اليوم حتى أحكمت علم المنطق والطبيعي والرياضي ثم عدلت إلى الإلهي وقرأت كتاب ما بعد الطبيعة فما كنت أفهم ما فيه والتبس علي غرض واضعه حتى أعدت قراءته أربعين مرة وصار لي محفوظا وأنا مع ذلك لا أفهمه ولا أعلم ما المقصود به وأيست من نفسي وقلت هذا لا سبيل إلى فهمه وإذا أنا في يوم من الأيام ) قد حضرت الوراقين وبيد دلال مجلد ينادي عليه فعرضه علي فرددته رد متبرم به معتقد أن لا فائدة في هذا العلم فقال لي اشتر مني هذا فإنه رخيص فاشتريته بثلاثة دراهم فإذا هو كتاب لأبي نصر الفارابي في أغراض كتاب ما بعد الطبيعة فرجعت إلى بيتي وقرأته فانفتح علي به في ذلك الوقت أغراض ذلك الكتاب بسبب أنه قد كان لي على ظهر قلب وفرحت بذلك وتصدقت ثاني يوم بشيء كثير على الفقراء شكرا لله تعالى وكان سلطان بخارى في ذلك الوقت نوح بن منصور الساماني فاتفق أن مرض مرضا تكع الأطباء فيه وكان اسمي اشتهر بينهم بالتوفر على العلم والقراءة فأجروا ذكري بين يديه فأمر بإحضاري وشاركتهم في مداواته وتوسمت بخدمته فسألته يوما دخولي دار كتبهم ومطالعتها وقراءة ما فيها من كتب الطب فأذن لي فدخلت دارا ذات بيوت في كل بيت صناديق كتب منضدة بعضها على البعض في بيت العربية والشعر وفي آخر الفقه وكل بيت كتب علم مفرد فطالعت فهرست كتب الأوائل وطلبت ما احتجت إليه ورأيت هناك من الكتب ما لم يقع إلي اسمه فقرأت تلك الكتب وظفرت بفوائدها فلما بلغت ثمانية عشر من عمري فرغت من هذه العلوم وكنت إذ ذاك للعلم أحفظ ولكنه اليوم معي أنضج وإلا فالعلم واحد لم يتجدد لي بعده شيء وكان في جواري رجل يقال له أبو الحسن العروضي فسألني أن أصنف له كتابا جامعا في هذا العلم فصنفته له وهو كتاب المجموع وسميته به وأتيت فيه على سائر العلوم سوى